ابن ميثم البحراني
134
شرح نهج البلاغة
أقول : المرتاد : الطالب . والضغث : القبضة من الحشيش . واعلم أنّ مبدء وقوع الفتن المؤدّية إلى خراب العالم وفساده إنّما هو اتّباع الهوى والآراء الباطلة والأحكام المبتدعة الخارجة عن أوامر اللَّه ، وذلك أنّ المقصود من بعثة الرسل ووضع الشريعة إنّما هو نظام أحوال الخلق في أمر معاشهم ومعادهم فكان كلّ رأى ابتدع أو هوى اتّبع خارجا عن كتاب اللَّه وسنّة رسوله سببا لوقوع الفتنة وتبدّد نظام الموجود في هذا العالم . وذلك كأهواء البغاة وآراء الخوارج ونحوها . وقوله : فلو أنّ الباطل خلَّص من مزاج الحقّ . إلى آخره . إشارة إلى أسباب تلك الآراء الفاسدة . ومدار تلك الأسباب على امتزاج المقدّمات الحقّة بالباطلة في الحجج الَّتي يستعملها المبطلون في استعلام المجهولات فبيّن أنّ السبب هو ذلك الامتزاج بشرطيّتين متّصلتين . إحداهما : قوله : فلو أنّ الباطل خلَّص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين . ووجه الملازمة في هذه المتّصلة ظاهر فإنّ مقدّمات الشبهة إذا كانت كلَّها باطلة أدرك طالب الحقّ وجه فسادها بأدنى سعى ولم يخف عليه بطلانها ، وأمّا استثناء نقيض تاليها فلأنّه لمّا خفى وجه البطلان فيها على طالب الحقّ لم يكن الباطل فيها خالصا من مزاج الحقّ فكان ذلك هو سبب الغلط واتّباع الباطل لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين . والثانية : قوله : ولو أنّ الحقّ خلَّص من [ لبس خ ] الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ووجه الملازمة أيضا كما مرّ : أي إنّ مقدّمات الحجّة الَّتي استعملها المبطلون لو كانت كلَّها حقّة مرتّبة ترتيبا حقّا لكانت النتيجة حقّا تنقطع ألسنتهم عن العناد فيه والمخالفة له . وقد حذف عليه السّلام كبرى هذين القياسين لأنّهما قياسا ضمير كما سبق ، ثمّ أتى بالنتيجة أو ما في معناها وهو قوله : ولكن يؤخذ من هذا ضغث ، ومن هذا ضغث : أي من الحقّ والباطل فيمزجان ، ولفظ الضغث مستعار ، ومقصوده بذلك التصريح بلزوم الآراء الباطلة والأهواء المبتدعة لمزج الحقّ بالباطل . ولذلك قال : وهنا لك يستولى الشيطان على أوليائه : أي إنّه يزيّن لهم اتّباع الأهواء والأحكام الخارجة عن كتاب اللَّه بسبب إغوائهم عن تمييز الحقّ من الباطل فيما سلكوه من الشبهة